مظلومية الكورد تحت حكم البعث.

عزيزي القارئ من الناطقين باللغة العربية، إذا كنت واحدًا من أولئك الذين عاصروا الشعب الكوردي في إحدى الدول التي يتمركزون فيها، أو لنفترض أنك تنتمي إلى تلك المجتمعات التي تعلم بوجود الكورد ولكنها لا تفقه شيئًا عن تاريخهم، فسؤالي موجه لك:

هل تساءلت يومًا، يا تُرى، في قرارة نفسك، ما الذي يدفع بشعبٍ غُرِّب عن أرضه التاريخية إلى أن ينفرد بأبناء جلدته، ليبني لنفسه حصنًا منيعًا متمثلًا بحب قوميته، في مواجهة أي دخيل يحاول فرض نفسه على إرادته؟

لنعد سويًا بضع سنواتٍ ليست بالبعيدة، وتحديدًا إلى عام 1947، عندما وُلِدَ ما يسمى بحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، ولحقتها العراق في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ليسجلا تاريخًا مليئًا بالقمع والاضطهاد، امتدَّ لعقودٍ من الزمن. فخلال حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين، واجه الكورد العديد من السياسات القمعية والتمييزية، التي استهدفت إضعاف وجودهم الثقافي والسياسي في العراق.

أبرز مظاهر هذه السياسات تمثلت في:

1. التهجير القسري: حيث قامت الحكومة البعثية بتهجير الآلاف من المواطنين الكورد من مناطقهم، خاصة في شمال العراق مثل كركوك وحلبجة، بهدف تغيير التركيبة السكانية لصالح العرب.

2. حملة الأنفال: واحدة من أفظع جرائم نظام البعث ضد الشعب الكوردي، حيث استيقظ سكان شمال العراق آنذاك في عام 1988 على يوم قيامتهم، عندما قُتل عشرات الآلاف من الكورد، ودُمِّرت قراهم، ولم يكن ذلك سوى البداية لكارثة إنسانية كبرى، إذ استُخدمت الأسلحة الكيميائية لتسميم مياه الشرب.

3. الاستهداف الثقافي والسياسي: سعى النظام البعثي إلى إلغاء الهوية الكوردية، بدءًا من منع تعلم اللغة الكوردية، وتقييد النشاطات الثقافية، وصولًا إلى ملاحقة القيادات السياسية التي كانت تسعى لنيل حقوق الكورد.

4. القمع العسكري: لجأ النظام إلى إشراك الجيش والقوات الأمنية بشكل مكثف لإخضاع الكورد بالقوة، بما في ذلك عمليات القصف والتدمير والاعتقالات التعسفية.

5. التمييز الوظيفي والمحاصصة: تعرض الكورد لتمييز اقتصادي، حيث تم منعهم من الحصول على وظائف معينة، كما مُنحوا حصصًا أقل من المساعدات الحكومية مقارنة بالعرب.

إذا كنت تظن أن الأمر مجرد ضربٍ من الخيال، فأنت بحاجة إلى التمهل قليلًا، فنحن لم ننتهِ بعد! الحقائق لا يمكن تزويرها.

ما جرى في سوريا بحق الكورد لم يكن أقل وطأة من ممارسات حزب البعث في العراق، بل كان استنساخًا دقيقًا للتجربة، إلا في تفصيلٍ واحدٍ كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ لم يكتفِ حزب البعث بإنكار الوجود الكوردي، بل فرض عليهم الانصهار الكامل مع الهوية العربية.

أبرز مظاهر القمع للكورد السوريين تمثلت في:

1. الحرمان من الجنسية والحقوق المدنية: ففي عام 1962، نفذت الحكومة السورية إحصاءً سكانيًا في المناطق الكوردية، أسفر عن تجريد 120,000 كوردي من الجنسية، مما جعلهم لاجئين على أرضهم التاريخية، وحرمهم من كافة حقوقهم المدنية، مثل التعليم، والعمل، واقتناء الممتلكات، والمشاركة في الانتخابات، مما دفعهم للعيش في ظروفٍ قاسية من التهميش والفقر.

2. القمع الثقافي واللغوي: فرضت الحكومة السورية سياسة “التعريب” في المناطق الكوردية، واعتبرت اللغة الكوردية غير رسمية، مما أدى إلى تهميش الثقافة الكوردية ومنع تداول اللغة في المدارس، والإعلام، وحتى في الحياة اليومية، كما مُنع الكورد من إنشاء أي مؤسسات ثقافية أو سياسية، وقُمعت أي محاولة للاحتجاج أو التعبير عن الهوية الكوردية.

3. التغيير الديمغرافي وسلب الأراضي الكوردية: عمد النظام السوري إلى تهجير الكورد من مناطقهم الأصلية، خاصة في شمال شرق سوريا، واستقدم العرب الذين غُمرت مناطقهم بمياه سد الفرات، لتنفيذ مشروع “الحزام العربي”، الذي هدف إلى الاستيطان العربي في المناطق الكوردية. أدى ذلك إلى حرمان الكورد من حق الملكية وإجبارهم على الهجرة، مما زاد معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية.

4. الانتهاكات العسكرية والقمع العنيف: تعرض الكورد لحملات قمعية على يد النظام السوري، خصوصًا بعد انتفاضة القامشلي عام 2004، عندما خرج الآلاف من الكورد في مظاهرات احتجاجية ضد السياسات القمعية، إلا أن الرد كان عنيفًا، حيث اعتُقل وقُتل العديد من المحتجين.

5. التهميش الاقتصادي والاجتماعي: عانت المناطق الكوردية في سوريا من تهميش اقتصادي واضح، إذ تم استبعاد الكورد من العمل في المؤسسات الحكومية الكبرى، كما استغل النظام السوري ثروات المنطقة لصالح تطوير المناطق العربية، مما أدى إلى تفشي الفقر في المناطق الكوردية.

6. الضغط على الهوية السياسية: أي محاولة لتشكيل حزب سياسي كوردي أو تنظيم ثقافي كانت تُقابل بالقمع، حيث مُنعت الأحزاب الكوردية من العمل، وقُمعت أي محاولات للمشاركة السياسية، رغم أن الكورد يشكلون جزءًا كبيرًا من المجتمع السوري، وكان شبح الاعتقالات حاضرًا دائمًا لمناضليهم.

7. انتهاك حقوق الإنسان: استخدم النظام السوري الاعتقال والتعذيب كوسائل قمعية ضد أي كوردي يُعتبر تهديدًا للنظام، حيث اعتُقل العديد من النشطاء الكورد تحت ظروفٍ قاسية لفتراتٍ طويلة، بل وصل الأمر إلى الاختفاء القسري لبعضهم.

في نهاية المطاف، علينا أن ندرك أن تلك الممارسات تركت ندوبًا عميقة في قلب المجتمع الكوردي، امتد أثرها إلى هويتهم الجماعية، مما أدى إلى انعدام الثقة بالأنظمة العربية، ولا سيما أن كل الوعود التي قُدمت لهم عبر التاريخ ظلت مجرد كلمات باهتة لا لون لها.

ورغم هذه المعاناة، ظل الكورد متمسكين بالأخوّة العربية، ويسعون إلى يومنا هذا لتحقيق السلام والمصالحة، في إطار العدالة والاعتراف بحقوقهم. فالألم التاريخي الذي يعانون منه يحتاج إلى احتواء مطالبهم، لاستعادة كرامتهم وحقوقهم، ولترميم كل ندبةٍ تقف عائقًا أمام استعادة الثقة، التي ستضمن بناء مستقبلٍ أفضل، بعيدًا عن العنف والاضطهاد، يقوم على شراكةٍ عادلة بين الكورد والعرب.

بين سقوط البعث في العراق وسوريا: هل يتشابه مصير الكورد في البلدين؟

شهد سقوط نظام البعث العراقي برئاسة صدام حسين عام 2003 تحولات جذرية في واقع الكورد هناك، حيث أدى ذلك إلى تعزيز مكانة إقليم كوردستان العراق قانونيًا ضمن دستور 2005، الذي أقر الفيدرالية ومنح الإقليم سلطات واسعة، مما جعله كيانًا فيدراليًا معترفًا به يتمتع بحكومة وبرلمان وجيش مستقل (البيشمركة) هذا التحول جاء بعد 14 عامًا من حكم الأمر الواقع الذي بدأ عقب انتفاضة 1991 وفرض الولايات المتحدة منطقة حظر الطيران، ما أدى إلى انسحاب الجيش العراقي من كوردستان.

واليوم، وبعد سقوط نظام البعث السوري برئاسة بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، هل يسير كورد سوريا نحو مصير مشابه؟

فمنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، انسحب النظام تدريجيًا من مناطق شمال وشرق سوريا، مما أتاح للكورد فرض إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع، وبعد 4 أعوام جاءها الدعم من الولايات المتحدة برفقة التحالف الدولي في حربهم ضد تنظيم داعش، ومع مرور 14 عامًا على هذا الواقع، وسقوط النظام البعثي في دمشق، تتزايد التساؤلات:

. هل سينال كورد سوريا حُكمًا ذاتيًا كما حدث في كوردستان العراق؟
. هل سيتحول شمال وشرق سوريا إلى إقليم كوردستان سوريا رسمياً معترف به؟
. هل سيثبت التاريخ أن الرقم 14 عامًا من الحكم الفعلي يتبعه اعتراف رسمي، تمامًا كما حدث في العراق؟

بين الأمل والتراجيديا الكوردية:
كما نال إقليم كوردستان العراق اعترافه القانوني في 2005، فهل يشهد عام 2025 بداية مرحلة مماثلة لكورد سوريا؟ ومحظوظية الكورد من رقم (5) أم أن السيناريوهات الإقليمية والدولية ستقودهم إلى مصير آخر، يحمل فصلًا جديدًا من التراجيديا الكوردية؟

أضف تعليق